محمد كرد علي

16

خطط الشام

فرنسا سوى قتل بعض أبنائها ، وكذلك خسرت الشام خسارة الضعيف مع القوي . ونابليون وإن عدّوه نابغة القواد في عصره أخطأ كثيرا في توسعه في فتوحه . وفتحه الشام ومصر من جملة خطيئاته ، ولم تربح أمته من حملتها على هذين القطرين إلا نشر مدنيتها على أيدي من استصحبهم نابوليون معه من العلماء والمهندسين والطبيعيين ، وكانت مصر مباءة علمهم وعبقريتهم . وقد آخذ صاحب تاريخ الدولة العلية القائد بونابرت بأنه ارتكب قبل مغادرته يافا أمرا شنيعا لم يسبق في التاريخ وهو قتله الجرحى والمرضى من عساكره حتى لا يعوقوه في سيره . وفي تاريخ فلسطين أن جنود الجزار في يافا يوم نابوليون كانت مؤلفة من عرب وأتراك ومغاربة وأرناؤد وأكراد وجركس ، فانسحبوا لما فتحها نابوليون إلى بعض الخانات وأبوا التسليم قبل أن يؤمنهم على حياتهم فأجابهم القائد الفرنسي إلى طلبهم فاستأمن له أربعة آلاف شخص فساقهم إلى المعسكر . ولما رآهم نابوليون سأل قائده عن هذه الجموع المحتشدة فأخبره أنها حامية المدينة التي سلمت إليه أمانا وقبلهم حقنا للدماء فبهت وحار في أمره وقال : ماذا تريدون أن أفعل بهذا العدد أعندكم زاد يكفيهم ألكم مراكب تنقلهم إلى مصر أو فرنسا ؛ ومن يتولى خفارتهم إذا أرسلناهم ؟ يجب أن تعطوا الأمان إلى الأطفال والنساء والشيوخ لا للرجال الأشداء المقاتلين ، ثم استشار ضباطه في قتلهم فخالفوه ولكنه أصر على رأيه وأمر بهم فقتلوا رميا بالرصاص في 10 آذار سنة 1799 ا ه . ويقول مشاقة : إن بونابرت أمر قبل أن يغادر يافا إلى عكا بقتل الأسرى الذين وقعوا في قبضته ثلاثا : في العريش وفي غزة وفي يافا ، وكان يطلق سراحهم كل مرة بعد أن يأخذ عليهم العهود أن لا يعودوا إلى قتاله ، ولما أسرهم هذه المرة وعددهم يربو على ثلاثة آلاف حنق عليهم وعلم أنهم لا يراعون ذمة ولا يحترمون الشرف العسكري ، فأمر جنوده بإطلاق النار عليهم ولم يواروهم التراب ، وبقيت أجسامهم طعاما للطيور ، وظلت رفاتهم مكشوفة مدة ا ه . وهذا السبب معقول وله من القوانين الحربية ما يشفع به بعض الشيء أكثر من الرواية الأولى . وانتقد مسترمان على نابوليون ذبحه حامية يافا وكانت مؤلفة من أربعة آلاف أرناؤدي ووضعه السم لجنوده لدن عودته لأنهم أصيبوا